المبشر بن فاتك
200
مختار الحكم ومحاسن الكلم
آدابه ومواعظه وعظ أفلاطون الناس فقال : أيها الناس ! استمعوا كلامي واشكروا اللّه على نعمه عليكم . واعلموا أن اللّه تعالى ساوى بين خلقه في مواهب النعم ، وبذلها لهم كافّة فهمّوا واعتبروا القول بالصحة . أسبغ اللّه النّعم وهي للعامة أجمعين . لا تنال الصحة بالمراتب ، ولا يفقدها أهل الضعف لضعفهم . فهذه نعمة تفوق جميع ما افتخر به الأغنياء . وكذلك الحاسّة أيضا ، وهي للناس أجمعين ، وفيها ما أوجب عليكم الشكر للّه عزّ وجلّ في ليلكم ونهاركم على مواهبه وعلى ما صرف عنكم من الآفات . فاصرفوا ذكركم عن المشاحّة فيما لا حاجة بكم إليه . واعلموا أن ما كان في الفطرة فهو السّنّة الطبيعية وفيه لكم منافع وغناء . والطبيعة قد أعدّت لكم ما يصلح شأنكم في دنياكم وآخرتكم . فما الذي يدعوكم إلى أن تجمعوا وتكدّوا فيما ولّد بينكم البغضاء والعداوة ؟ ! حقا أقول لكم : لو علمتم ما في هذه التي تتنافسون فيها ، لعلمتم أنكم زاهدون فيما رغبتم فيه . ادفعوا الشهوات فإنها ضد الفكر . لا تطلبوا ما لا حاجة لكم إليه . خذوا فيما يصلح أمركم . ما غناء الذهب والفضة في الفطرة ! وما خاصّتهما التي يمدحهما بها محبوهما عندكم ؟ ! قد أعدّ اللّه لكم ما يحامى عنكم وهو الحكمة والتقوى . يا قوم ! التّقى رأس النجاح ، وهو مفتاح الفضائل . إياكم والجور فإنه أداة العطب وسعة البلاء . أنكروا الفجور ، فإن فشوّه يهلك الأمّة ، وهو من خواصّ الدوابّ الدنيّة . فأما الذي تطلبونه فخذوه لتعرف حجتكم في مطالبتكم : الغنى أم الفقر . فإن كنتم تطلبون الغنى فالحجة عليكم ، وإن طلبتم الفقر فالزموا ما أقول « 1 » لكم . أتنكرون أن الذي له ما يحتاج إليه والذي لا يقع بما له فهو مكدور في طلب غيره ؟ فإذا صحّ لنا أن الطبيعة قد أعدت ما تحتاج إليه ، فواجب عليكم أن
--> ( 1 ) ب : أفولكم .